محمد ابراهيم شادي

43

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

ويهمنا هنا الإشارة إلى ما في بيت جرير من ملاحظة المعنى القرآني الذي اختلسه في خفاء بعد التغيير والتبديل ، لأن القرآن يقول : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) وهو يقول : " إن العيون قتلننا ثم لم يحيين قتلانا " على معنى أن العيون لم تكن عادلة إذ قتلتنا وتركتنا بلا قصاص لنا يشفى صدورنا ويحيينا ، فهذا من الأخذ الذكي الذي يفيد بروح المعنى ولا يتقيّد بنصه ، وقد أحسن خلف عندما فطن إلى هذا الأخذ . على أن ابن ناقيا ربما أتى بتشبيه من القرآن وأعقبه بتشبيه من الشعر وليس بينهما صلة معنوية ولا تشابه إلا في بعض اللفظ بما لا يسوّغ الموازنة بينهما كقوله تعالى من سورة الأنعام ( 71 ) : ( قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) [ الأنعام : 71 ] . وبعد تفسير التشبيه فيها يقول : " والشياطين غيلان الجن " ثم يأتي بأبيات لا صلة لها بالآية سوى ذكر الغول كقول العنبري : وغولا قفرة ذكر وأنثى * كأن عليها قطع النجاد وقول كعب بن زهير : فما تدوم على حال تكون بها * كما تلوّن في أثوابها الغول وعند قوله تعالى : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) [ البقرة : 171 ] يقول : " المعنى ومثل الذين كفروا فيما يوعظون به كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الداعي أكثر من الصوت ، فالتقدير : ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع . . وتأويل ( ينعق ) يصوّت بالغنم ، ومنه قول الأخطل : فانعق بضأنك يا جرير فإنما * منتك نفسك في الخلاء ضلالا ثم يذكر قصة تدل على أن الضأن صم لا يسمعن ، ولو أنه سار كما بدا في تفسير الآية على تمثيل الذين كفروا فيما يوعظون به كالبهائم عموما لكان أحرى